أرض الشهداء.

كما لكل مواعيد التاريخ التي مرت بها الجزائر أجيالها ،نساؤها ورجالها الذين حفظوا عهد شهدائهم وعاشوا من أجل جزائر كريمة جزائر كما سميت في أبجديات التاريخ وأمهات المواقف مكة الثوار وقبلة الأحرار ،إستطاع الجزائريون وعلى مر الزمن ترويض العواصف والأنواء السياسية والإجتماعية والإقتصادية حتى تمطر مطر القوة والإلتحام ولايجد الزمهرير القارس طريقه إلى تجاويف ذاكرة الجزائريين حتى يرهف مسامعهم صوت جبال الأوراس الشامخة ،ويشتد عود الأبناء على مر الزمن وفي كل بيت وأسرة ،بل وفي كل زاوية وركن ،شارع وزقاق ،كتب بالدم إسم شهيد ، كان للجزائريين موعد آخر مع التاريخ عندما إختاروا التعبير السلمي الراقي من خلال المسيرات للتعبير عن رأيهم ،عندما إصطفوا في الشوارع ،مواطنين ومسؤولين وشرطة وأجهزة أمنية ونقلوا صورة حية ،مشرقة ،مضيئة عن تحملهم للمسؤولية، ودفاعهم عن أمن وإستقرار وطنهم المخضب، بدم الأماجد .
مر الجزائريون من مرحلة الإستعمار الفرنسي ،وهزموا فرنسا فرحلت تجر أذيال الخيبة والإندحار، إلى غير رجعة ،رحلت وبقي حقدها متقدا، كنار شديدة اللهب، في ليلة ظلماء، يبصر لهيبها الأعمى ،ويحس بحرقتها البعيد ،لم تنكر فرنسا يوما كرهها، وإستعدادها لإدخال بلد طردت منكسرة ،ذليلة منه دوامة العنف، وتدمير مكتسبات الشعب، التي عبد طريقها فوق أجساد الشهداء ، دخلت الجزائر نفق العشرية السوداء، وانتفخت أوداج فرنسا، وخادمها المطيع النظام المغربي، كيف لا وهي البلد النبيل، الذي آوى من أراد قتلهم وإبادتهم بالأمس القريب، جيرانه الصحراويون ،الذين إجتاح أرضهم ،هم الذين وجدوا في الجزائر وطنا ثانيا، وصدرا رحبا، ضمهم بعد ان تقطعت بهم السبل، وتكالب على وطنهم الأشقاء من الشمال والجنوب ،حاول المغرب غير مامرة بتحريض ورعاية من سيده الفرنسي، إدخال الجزائر في دوامة المشاكل ،وكلما كان الجزائريون يعبرون منعرجا صعبا ،إلا وبدأت آلة دعايته، وجرائد مخابراته، بالهجوم على الجزائر ونشر الأكاذيب ،عن بلد يملك الشرف وعزة النفس والإباء، التي يفتقدها الجار المغربي ،الذي يلعق الأحذية، بحثا عن فتات يرمى، أو موقف يتغير بتغير المصالح فيصبح عدوا لمن كان صديقا له، ويصبح صديقا لمن كان يزدريه ويحتقره ،إن أكثر الأشياء التي تؤرق مضجع الإحتلال المغربي ثبات المواقف الجزائرية وصلابتها ،ودور دبلوماسيتها التي تعمل بصمت وتتقن جيدا فن الدبلوماسية ،حيث أن الجزائر تحظى بالإحترام والثقة هي التي لاتتلون كالحرباء، في كل موقف يمس من أمن الجار أو البعيد ولاتحشر أنفها في شأنهم الداخلي ، ولعل ماحدث في تونس وليبيا وسوريا وقبلهم العراق أكبر دليل على تبصر الجزائريين وحكمتهم ونضجهم ،الحكمة التي لم تكن من نصيب الساسة فقط بل عمت على الشعب قاطبة كما يحدث هاته الأيام ،فالجزائريون يدركون جيدا أن الأعداء يتربصون بهم من أجل جزائر مقسمة، جزائر تضّيع بوصلة الطريق، لكن الجزائر بفطنتها ، إستطاعت تجاوز سنوات الإستعمار الفرنسي، وندوب العشرية السوداء، قادرة على البقاء قوية، ثابتة ،مواجهة التيارات القادمة من الشمال والغرب ،وستبقى الجزائر شامخة عصية على الرضوخ والجزائريون قادرون على حماية مكتسباتهم والذود عن وطنهم وعدم الوقوع في فخاخ الأعداء الخبثاء .

السابق
الدبلوماسية الصحراوية الآمال و التحديات.
التالي
المعتقلون السياسيون الصحراويون ضمن مجموعة أگديم إزيك يشرعون في إضراب إنذاري عن الطعام بمختلف السجون المغربية.