الدولة الصحراوية وحتمية الوجود

 

عندما إختار الشهيد الولي بعبقريته الفذة والجريئة في ذات الوقت، أن يعلن عن قيام الدولة الصحراوية سنوات قليلة جدا بعد ميلاد الجبهة الشعبية ،ركز آنذاك على ضرورة نبذ الجهل والقبلية، والانتقال من البداوة نحو التمدن ،لأنهما السوس الذي يجب الحذر منه، ومن تداعياته ومظاهره التي تتغير أقنعتها حسب الظروف .
القبيلة التي أراد إنصهارها من خلال أفكاره، في بوتقة الدولة حتى تذوب تماما، ونصل بذلك إلى مرحلة التطور والتمدن، بعيدا عن حياة البداوة وطقوس الجاهلية، وعلى هذا الأساس كان لابد أن يكون هناك بديل حضاري لها ،يستطيع أن يحل محلها، إنها المؤسسات ،فتقوية المؤسسات أساس مهم ،للقضاء على غول القبلية المتجذرة ،منذ عهود الجاهلية، في مجتمعاتنا العربية، خصوصا عندما تتحول القبيلة الى حاضن للنقائص، ولمن يحاول ان يجعل منها درعا يقيه حتى تحقيق طموحاته واهدافه ،التي قد يغلفها هدف نبيل في ظاهرها، ولكن في باطنها سم المقصد وخبث المبتغى، فبعد ان حاول الإحتلال المغربي ،بشتى الطرق والوسائل، إستعمال القبلية كورقة لزرع الفتنة والتطاحن، بين أفراد المجتمع الواحد، تطورت وسائلها الخبيثة اليوم إلى جعل القبيلة الحصن الحصين ،لتجار المخدرات والجريمة المنظمة ،فأصبح هؤلاء يحتمون بها ويجعلون منها وسيلة للوصول الى مايبتغون من أهداف، يؤثث لها الإحتلال ويرسم معالم طريقها .
في الخارج بأياد صحراوية ويحاول البحث عن أهداف داخلية بغية زعزعة ثقة الصحراوي في تنظيمه السياسي، وقدرة مؤسساته، وخلق هوة بين الدولة والمواطن، حتى يسهل عليه الإختراق ، خصوصا وانه يحصد نتائج فشله في معارك عدة، نجحت فيها الدولة الصحراوية وأولها محاربة الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات ، التي أرقت مضجع دول وحكومات وتوفير الأمن والأمان للصحراويين، طيلة عقود من الزمن رغم اللجوء وبناء الدولة في المنفى ، وتحديات كبرى واجهتها ولازالت الدولة والحركة .
كل محاولات الإحتلال، هي لتكريس فكرة طالما حاول ترسيخها، وهي أن الصحراويين لايستطيعون بناء دولة حديثة ، فتصبح القبيلة الأم التي تتبنى من ينبذه الكبير والصغير والعرف والعادة، ليكافئها بعد ذلك بجرها إلى مستنقع التعصب له، ونسيان خطر هذا الأخير ،ليصبح أول مسمار يدق في نعشها، وتتجرأ على محاولة الإخلال بالنظام العام، ومحاولة إظهار ضعف الدولة، والسيبة التي سيتمخض عنها رفض تام لوجود المؤسسات ،ولامبالاة بالقوانين ،التي تحكمنا كأفراد وجماعات داخل نطاقها ، إن التشبع بفكر الثورة النقي، التي تهدف إلى حياة كريمة ،لاتنحني فيها الرقاب خوفا ووجلا أو طمعا، وإرتقاء الإنسان من التفكير الأناني والطموحات المادية، إلى خدمة شعبه وقضيته ،هي مايجب ان يضع كل صحراوي نصب عينيه،فمكاسب الشعب الصحراوي لم ترتبط بالقبلية، ولن يكون من المنصف أبدا أن ننسى تلك التضحيات لنحمي من يريد ان يستغلها كمظلة، لحماية نشاطه المخرب للمجتمع، وهو ماستدفع ثمنه الأجيال المتلاحقة، فالقبيلة لاتصنع شعبا ولا تحقق أهدافه النبيلة ،ومن يحتمي بحصنها، ليمارس طقوس رغباته الخبيثة ،ويضمن إستمرارية وجود ثمار متعفنة يقتات منها ،سوف يتفطن بعد ردح من الزمن بأنه كان يهدر الوقت والجهد ،ليبني لنفسه برجا من السراب ،مايلبث أن يغيب عن عينيه ،وسيكتشف متأخرا أن الدولة كإطار يجمعه مع غيره ،من أبناء شعبه هو مايجب الحرص على تقويته، بدل العبث بقوانينه، التي أنشئت من أجل شعب يريد أن يسود فوق أرضه ويتحكم في ثرواته، ويجد مكانا له بين الأمم والشعوب ، متجاوزا بذلك عقودا من الصراعات والنظرة القبلية الضيقة ،فلا غنى لأي صحراوي عن وجود دولة تحترم قوانينها ومؤسساتها، ولاوجه للمقارنة بينهما أو كما قال الشهيد الولي انه كالعدمية والوجود فالأخير مرتبط بالحفاظ على المكاسب العامة لشعب متكامل متراص كالبنيان ،قوي بوحدته ،قادر على خوض المعارك الحاسمة، الضارية ،القوية ،معارك لامكان فيها للأنانية، ولا للمفاهيم التي لاتبني ،بل هي معول الهدم وتكريس مفاهيم الإستغلال والانتهازية .
إن الرهان الحقيقي للشعب الصحراوي ليس فقط في الحصول على المكاسب بل في الحفاظ عليها والتصدي لكل من ينسى أو يتناسى الثمن الذي قدم غاليا من أجلها ، قوافل من الشهداء لن تكون حاضرة في يوم الإستقلال الأكيد بأجسادها لكنها موجودة بنبلها، وعظيم عطائها وتجردها من الأنانية ،وانتمائها القبلي، من أجل أن يحيا الشعب الصحراوي في كل أماكن تواجده حرا، كريما ،وسيدا فوق أرضه وعلى ثرواته .

السابق
تعزية، وزارة شؤون الأرض المحتلة والجاليات
التالي
سفير بلادنا بالجزائر الأخ:عبد القادر الطالب عمار يدعو المملكة السعودية إلى ترجمة الحقيقة التي عبر عنها الإعلام السعودي في أكثر من مرة عن القضية الوطنية إلى أفعال ملموسة من خلال ترجمتها الى مواقف رسمية.