سكينة جد أهلو … يالها من مسيرة !

  

في مواجهة  الإرث النضالي للعمالقة ، يهيمن عليك الصمت  أمام جبروت الحكاية ،  و لأن للأحلام الكبيرة ضريبة ضخمة ، و لأن حلمها كان بحجم استرجاع وطن ، كانت ضريبتها عمرا من الجحيم في ظلام السجون .

في منعرجات الحكاية يذهلك انتصار الانسانية بداخلها ،مقابل سقوط اخلاقي لمحتل ينعي إنسانيته ،  يتملكك الإعجاب  بعناد مناضلة رفضت أن يكون للقوة سطوة على الحق ، في مواجهة جلاد تلطخت روحه في وحل البهيمية و روث الحقد القاتل .

سكينة جد أهلو ،  عنوان لحكاية لازالت فصولها تنسج بإيمان ماجدة من ماجدات الصحراء أبت إلا أن تقف أمام عجرفة الغازي – فهيهات أن تستأصلوا شجر الطلح المنغرس في أعماق الأرض –  

ارتأ موقع وزارة شؤون الأرض المحتلة و الجاليات أن يفتتح سلسلة حواراته مع المناضلة الكبيرة  : سكينة جد أهلو ، مغتنما تواجدها بالمخيمات.

سلسلة  اريد لها أن تؤرخ لنجوم النضال ،  كونهم مصدرا للإلهام و مدرسة لاقتداء الأجيال من الخلف  بعطاءات السلف من المناضلين.   

رئيسة منتدى المستقبل للمرأة الصحراوية ، المختطفة السابقة ، المناضلة الكبيرة سكينة جد أهلو السيد في حوار مع موقع : وزارة شؤون الأرض المحتلة و الجاليات.

 

 

سكينة هلا حدثتنا عن مسيرتك النضالية في محطاتها الكبرى ؟

الارهاصات الأولى … و بذرة النضال

منذ دخول الغزو بدأت مسيرتي النضالية ، فقد  كنت على إلمام بالشرارة الأولى للنضال – الحركة الجنينية – ، إذ كان لدي إحساس أن هذا الحراك هو الذي سيحتضن الصحراويين ، تولد لدي هذا الشعور من خلال أحاديث الأهل  و مجيء مجموعة من مناضلي الرعيل الأول لوالدي رحمه الله بمنطقة ميجك لتدارس الأمر ، و من خلال الأحداث التي توالت بعد ذلك – انتفاضة الزملة – و رغم حداثة سني حينها إلا أني كنت كلما استجد حدث من أحداث المقاومة إلا و شغل تفكيري  لينمو  لدي وعي بأهمية هذا الحاضن و ترسخت لدي فكرة التحرر .

 

بداية الغزو … ترقب للمجهول

اثناء دخول الغزو المغربي كنا مجموعة من العائلات – من أهل الصحراء –  في البادية ” افريك” من 20 عائلة ، و كنا نترقب الأحداث و  نتابع تفاصيلها و قد وصلتنا أخبار الاجتياح العسكري للسمارة و قصف منطقة “أم ادريكة ” و ضواحيها بالنابالم .

و في الوقت الذي كنا نعتزم فيه الانطلاقة  باغتنا الغزو  و طوق المحيط ، و قام بنصب مدفعيتة التي وجه بعضها للمخيم الذي كنا نقطن به و بعضها في اتجاهات أخرى و  قاموا بإبادة المواشي وقت رجوعها من الرعي .

كان من ضمن المخيم شباب قد انخرط في صفوف الجبهة الشعبية و لديه سلاح من الاسلحة البسيطة التي كان يمتلكها اغلب سكان البدو و قمنا باخفائها عن طريق ردمها في التراب.

بعدها تم اعتقال جميع الرجال و مصادرة السيارات و اقتادو جميع من اعتقلوهم في ساعات الفجر الأولى و علمنا فيما بعد أن جميع الشباب و الرجال تم ادخالهم السجن و اقتياد الشيوخ الى الرباط و بقينا نحن النساء لوحدنا برفقة الأطفال .

في عشية اليوم الموالي قدم الينا مجموعة من المقاتلين في ثلاث سيارات من نوع لاندروفير و توزعوا على المخيم ، و قمت بتسليمهم بعض أغراض الجبهة التي كانت معي و التي كانت بحوزة زوجي قبل اعتقاله.

مكثنا في ذلك المخيم لمدة ثلاث اشهر و لم يكن فيه الا النساء و الأطفال الصغار و كان من بين النساء حوامل و مرضعات  و قد عشنا رعبا لا يوصف فكل يومياتنا كانت انتظار و ترقب لأسوأ الاحتمالات ، و لا يملأ مسامعنا الا اصوات طلقات النار و قذائف المدفعية و صوت الطيران اذ كانت تدور في جوارنا اشرس المعارك .

بعد ذلك رجعوا الينا مع رجلين  كانوا قد اطلقوا سراحهما من بين المجموعة التي اعتقلوها و أقتادونا الى المدينة و قاموا بتكبيل العديد من النساء و استثنوا المرضعات و كنت حينها من ضمنهن اذ كنت آنذاك ارضع ابني المتوفي.

 

الحصار … عسكرة المدن و انقطاع عن العالم

بدأت مرحلة أخرى من المأسات فقد مكثنا سنتين محاصرين بالعساكر المدججين بالسلاح لا نخرج من البيت الذي كنا نقطن به نحن ثلاث عائلات و انقطعت عنا أخبار بقية العائلات التي كانت تقطن معنا في البادية لعدم السماح لنا بالخروج .

سنتان من الحصار و الاذلال و تحرش الجنود بالنساء اللواتي يمكثن لمفردهن مع الأطفال ، رافق هذه المرحلة هستيرية عنيفة من الابادة التي سلطت على الصحراويين  من القتل العمدي ،التعذيب ، الاختطاف و كانوا من حين لأخر ياتون بسكان البدو  المدنيين على أنهم أسرى حرب و يعاملونهم بأبشع انواع التعذيب.

بعد فترة انسحب الجيش المغربي الذي كان يملأ الشوارع و يحرس ابواب المنازل لكنه لم ينسحب حتى عوضته الشرطة و البوليس السري و المخبرين و اغرقت المدن بعملاء المخزن.

 

التنظيم السياسي … بداية المهمة لجنود الخفاء

في سنة 1979 انخرطت رسميا في فروع التنظيم السياسي ،  و كانت تناط بنا مهام  توزيع مناشير الجبهة على امتدادات فروعها ، خياطة العلم الوطني و توزيعه و نصبه في الشوارع و محلات العملاء ،  تخليد الذكريات الوطنية و تعميم قرارات المؤتمرات و تعليمات الجبهة الشعبية و قد ابلا فرعنا انذاك البلاء الحسن الى أن تم اكتشاف أمره و بدأ الاعتقال في صفوف مناضليه .

اذكر أن  مناضلا يسمى “محمد بويا الحسين ابيري”  و هو أسير حرب سنة 1976  ، تعرضت سيارته لقصف من الطيران في إحدى المعارك و تم اسره في حالة يرثى لها،  فقد تعرض للحرق و مكث مدة في المستشفى و بعد تعافيه تم ادخاله السجن و تعذيبه و استنطاقه و بعد خروجه من السجن انخرط في فروع التنظيم و ابلا البلاء الحسن في التنظيم السياسي ضمن الفرع الذي كنا ننشط به الى أن تم أسره ضمن مجموعتنا.

 

الاعتقال … حين تنهار الإنسانية  

تم اعتقالي بتاريخ : 15 جانفي 1981 و تركت خلفي ابنائي الصغار :  رضيعة في شهرها الخامس و ابني في سنته السادسة و الذي دخل علينا الغزو المغربي و هو رضيع في سنته الأولى .

مرحلة الاعتقال مرحلة لا يمكن وصف بشاعتها ،  أذكر أنه تم اعتقال نساء حوامل و عجائز كبار في السن و قاصرات و حتى عرائس !!، كيف تتصور أن عروسا تم تزيينها و ينتظر أن تزف لزوجها يأتي البوليس و يعتقلها ؟!!.

من بين النساء الحوامل المعتقلات عدة حالات في بداية حملهن و قد اجهضن بسبب التعذيب و هناك امرأة ولدت في السجن و مكثت يوم في المستشفى و في اليوم الموالي ارجعوها الينا دون وليدتها التي أخذوها منها عنوة و سلموها لأقاربها خارج السجن.

في السجن اذاقونا صنوف العذاب من تعليق بالشعر ، و التعليق بوضعية الدجاجة المشوية و هي طريقة في التعذيب يتم فيها وضع عمود في انثناء الركبتين و تقييد اليدين الى الأمام مع الرجلين بحيث تكون اليدين اسفل العمود و يتم تعليقك من خلال العمود ، و ما يسمى بالتعليق الانعكاسي او الطائرة ،و هناك طريقة أخرى في التعذيب غاية في الجهنمية و هي تجريد السجين من ملابسه و وضعه مستلقيا على ظهره على طاولة اقصر من قامته بحيث يكون جزء من رقبته و كامل رأسه خارج نطاق الطاولة و يضعون كرسي أسفل رأسه ، بعدها يلفونه بقماش و يشدون كامل جسده بحبال بقوة و عند انتهاء العملية يقومون بركل الكرسي أسفل الرأس ليسقط رأسك فجأة مخلفا شدا عصبيا لا يطاق ألمه  ثم ينهالون عليك بالضرب بكابلات الكهرباء حتى يخيل اليك أنك خرجت عن هذا العالم من شدة الألم ثم يتركونك قليلا و ما ان تأخذ انفاسك حتى يسدون تنفسك بأقمشة تم رشها بأبشع الروائح من قذارة وبول و  أوساخ الأرضية…

اما  عن الضرب العشوائي الروتيني من صفع و ركل و جر بالشعر و ضرب بالعصي فقد اعتدناه و اصبح بمثابة الخبز اليومي منذ بداية الاعتقال.

 

سجن درب مولاي اعلي الشريف، ميراث فرنسا للمخزن  … غياهب السجون تصنع الجنون.

بعد شهر من التعذيب الذي لا يطاق قاموا بنقلنا الى الدار البيضاء في مكان اشبه بالجحيم يسمى درب مولاي اعلي الشريف و هو سجن كانت تستخدمه فرنسا في التحقيق مع ثوار دول المغرب العربي المحتلة من فرنسا  إبان الثورات التحررية،  وقد ورثه المخزن و ورث خبث اساليبه ولا انسانية جلاديه و هو مكان  معروف بانتزاع الاعتراف كما يطلق عليه ” دار الصابون ” – صابون العقل –   لأن من يدخله يراد له  الاعتراف عنوة و بأي وسيلة و لا يخرج منه إلا وقد تم غسل دماغه و اغلب الخارجين منه عادة يصابون بالجنون او يتحولون الى متمردين على الواقع الذي كانوا يعيشون فيه لما لاقوه من صنوف العذاب التي لا تخطر على البال .

غير أنهم لا يعرفوننا فأهل الصحراء لا يخش عليهم ، فمن زرع في قلبه الايمان بالله ثم بعدالة قضيته لا يمكن للعذاب أن ينال منه ، اعرف رجالا فاضت ارواحهم لبارئها و لم يأخذوا منهم لا حق ولا باطل .

قضينا في سجن درب مولاي اعلي الشريف ستة اشهر ثم قاموا بنقلنا الى سجن ” آڭدز ” حيث قضينا سنة  و كانت أشد من سابقاتها ثم نقلونا الى ” قلعة مڭونة”  و بدأت مرحلة أخرى من مسيرة المعاناة و شهدت هذه الفترة في بدايتها هستيريا من الجنون في اساليب التعذيب التي خلفت استشهاد بعض المعتقلين تحت التعذيب و كانوا كلما طلبنا مراعاة ظرف سجين يعاني في لحظات عمره الأخيرة  و تتطلب حالته رعاية صحية  يقولون لنا ليس لنا من طبيب غير الكفن  و المقبرة فلا تطلبوا المساعدة مادام السجين على قيد الحياة ، فلن نتدخل إلا لنقله كجثة الى المقبرة .

كان طقس  مڭونة قاس البرودة شتاءا و  شديد الحرارة صيفا  لذلك  يتعمدون تركنا نتجمد و نعاني قساوة الطقس بدون  لباس و لا أغطية تقينا شراسة الطبيعة  و نتعرض لتيارات الهواء الكفيلة بإسقاط انسان من شدتها ،و استقبل هذا السجن الرهيب الصحراويين لمدة ستة عشر عام كحد اقصى و خمس سنوات كحد ادنى و بالنسبة لمجموعتنا التي تم اعتقالها بين 1980 و 1981 فقد مكثنا فيه عشرة سنوات و سبعة أشهر.

و في سنة 1987 و بعد خوضنا لمجموعة من الاضرابات عن الطعام و الاحتجاجات بدأنا نلمح نوع من الانفراج في حالتنا اذ سمح لنا أن نلتقي بسجناء  آخرين ممن تربطنا بهم علاقات من الدرجة الأولى و بدأنا نتلقى أخبار الرفاق لأول مرة  منذ الاعتقال بعد  أن قضينا زمنا منقطعين عن العالم  و بدأ يراودنا الأمل حيث أن السجن اصبح تابع لقطاع المخزن بالإدارة المحلية و ليس للجيش ولا الدرك علاقة به ، و إنما  تتولى مجموعة من ثكنات ” لمخازنية ” حراسته و الاشراف عليه و يترأسه ” كولونيل ” يتولى التنسيق مع الجيش.

 

صوت الشعب الصحراوي … نافذتنا على العالم من داخل السجن

و شاءت الأقدار أن ربط بعض المناضلين علاقات مع الحراس من ” لمخازنية ” و استطاعوا الحصول على مذياع من أحدهم بعد أن حذرهم من العواقب الوخيمة في حال انكشاف أمره و التي لن تكون اقل من الذبح على يد المخزن .

اصبح ذلك المذياع أنيسنا الوحيد فهو همزة الوصل بيننا و العالم الخارجي و يحرص من بحوزته عليه أكثر من حرصه على نفسه،  و كان يتابع الاذاعة الوطنية و يمدنا بأخر مستجدات القضية الوطنية و الأحداث على الساحة.

من خلال المذياع أصبحنا على اطلاع بمستجدات القضية و علمنا بمخطط السلام و توقيف إطلاق النار و  الاتفاق على البنود الإنسانية  التي تشمل إطلاق صراح السجناء ، و كذا إجراءات تنظيم الاستفتاء و بدأ الأمل يحذونا للعودة لهذا العالم و لو أن الخروج من السجن و البقاء تحت السيادة المغربية هو خروج من السجن إلى سجن اكبر.

 

الخروج المؤقت … و العهد على مواصلة الدرب

بعد خروجنا من السجن تعاهدنا على مواصلة المشوار بعزيمة أقوى و نفس جديد ، تراجع البعض من المجموعة و بقيت مجموعة على الاتفاق حيث واصلت المشوار في التأطير و التوعية و الدعوة لخوض الإضرابات و الاعتصام و المظاهرات.

و نحن منهمكين في عملنا النضالي فوجئنا بإعلان الحسن الثاني تنظيم  انتخابات تشريعية بدل الاستفتاء لنبدأ بالعمل لمواجهة هذا المنعرج في عدم الوفاء بالالتزامات أمام المنتظم الدولي داعين لتنظيم مظاهرات لإسماع صوت الشعب الصحراوي الرافض لأي التفاف على حقوقه المشروعة بالتظاهر و الإضرابات و مراسلة الأمم المتحدة ،  البعض من المجموعة يعمل في الخفاء و البعض الآخر يعمل في العلن ليتم اعتقالي للمرة الثانية على خلفية نشاطي العلني هذه المرة و اعتقل معي ابني ذو الستة عشر عاما و الذي تركته في الاعتقال الأول و هو طفل ذو ست سنوات و تبدأ معي مرحلة أخرى من المعاناة في سجن مع الأطفال في سن أبنائي و أخذت على نفسي وعدا  حينها على أن اشد من عزائم هؤلاء الأطفال و أتصدى لأي محاولة لتهجينهم ثقافيا و لمحاولة تجنيدهم و استمالتهم من المخابرات المغربية  فكنت حريصة طيلة عام و نصف في السجن على غرس و تعميق القيم الصحراوية في نفوسهم و مدهم بحكاية التمنع و المقاومة و الرفع من معنوياتهم .

 

منذ الغزو عمل المغرب على طمس الهوية الصحراوية من خلال إغراق المنطقة بالمستوطنين و محاربة كل ما هو صحراوي أصيل و الترويج للثقافة المغربية ، كيف تواجهون محاولة مغربه الصحراويين ؟

يستميت المغرب في محاولة  تدجين ثقافة الشعب الصحراوي المتميزة لإدراكه بأهميتها في الدلالة على الاختلاف الجوهري معه ، و في مسعى بائس للالتفاف على هذا العمق في الاختلاف  زعموا أنها مجرد صنف ضمن التنوع الثقافي للمغرب  و هم الآن بصدد تجميع و تدوين الموروث الثقافي للشعب الصحراوي ليدرجوه في المهرجانات الثقافية الدولية و الوطنية كامتداد للثقافات المغربية شأنه شأن ” الريفية ، الأمازيغية ، الغربية و تشلحيت “و  أن هذا التميز الثقافي عامل مهم في استقطاب السياح و تطوير السياحة.

و بالرغم من هذا المسعى الخبيث إلا أن المخزن لا يطيق تشبث الصحراويين و تعلقهم بعمقهم الثقافي ، فقد يجن جنونهم لمجرد رؤية امرأة ترتدي ” ملحفة من النيلة أو ترتدي ايزار ابيض و اسود ”  في أي نشاط نضالي و يتوجهون إليها من بين الحشود لينتقموا منها  أو رجل يرتدي الدراعة,

كما أنهم منعوا العائلات من نصب خيمهم خارج المدينة عند سيلان الأودية كما توارثوا من أسلافهم او بغية الاستجمام عند الشواطئ ، و في حال كان ملاك المواشي المسجلين لدا المخزن خارج المدينة فإنهم لا يغيبون عن عيون الدرك و هم في شبه تحقيق دائم معهم.

و كانوا فيما مضى كلما وجدوا العائلات في البادية يقومون بترحيلهم عنوة إلى المدينة و إحراق خيمهم ، و مخيم اكديم ايزيك حدث بمعجزة ، فبفضل الله غفلت عيون المخزن عنه ، فقد نصبت خيم قليلة فقط من البداية ثم توالت النساء بعد ذلك فرادي بإخفاء ملاحفهن و ارتداء عدة ” ملاحف” في آن إلى أن يصلن و يقمن بخياطة الخيم و هكذا حتى وصل إلى ما وصل إليه .

 

حدثينا عن محاربة بعض الأسماء المعروفة لدا الصحراويين من خلال منعها في سجل الحالة المدنية.

رغم أن تحديد اسم المولود شرعا يخص الأب إلا أنه لدينا في الثقافة الصحراوية عرف و هو التشاور عليه مع كبار السن من العائلة تقديرا لمكانتهم و أخذا بمشورتهم   و في حال تعددت الأسماء المقترحة يتم اللجوء إلى ” العود” – الحظ – و هذا الأمر لا يناف الشريعة بل يؤصل للروابط العائلية .

و بالرجوع لسؤالكم فقد فرض المخزن حظرا على الأسماء المركبة المعروفة لدينا منذ القدم مثل محمد سالم ، محمد فاظل و كذا الأسماء التي تشي بالرغبة في الانعتاق مثل : الحرية ، الثورة ، النضال و  الدولة ، كما فرض حظرا على تركيب الاسم الثلاثي – الاسم و اسم الأب و اسم الجد – و استبدله بما يعرف لديهم بالكنية التي تكتفي بالاسم و الكنية و التي غالبا تأخذ اسم قبيلة أو أي شيء آخر كاسم نوع من الأشجار أو الحجارة او ما شابه  في حالة منع اي اسم يقدمون لك كتيب أشبه بالمنجد للأسماء المسموح بها و الأسماء المحظورة ، و هذا الأمر في غاية الخطورة على الهوية الصحراوية ، و هناك ما هو أخطر و هو المناهج الدراسية التي تلقن للأجيال في المدارس حيث يتم تلقين المعارف باللهجة المغربية و حتى المعلمين و الأساتذة  الصحراويين و على قلتهم لا يختلفون عن تلامذتهم فهم أيضا نشأوا في ظل الاحتلال و الذي  سيؤثر لا محالة على الأجيال القادمة مما ينذر بمخاطر جمة ناهيك عن الطامة الكبرى و هي مشكلة الفساد الأخلاقي و المخدرات التي غزت كل المدارس بما فيها الكليات و المعاهد العلمية و هي تروج و تباع كأي منتوج عادي و هذا الأمر هو أخطر ما قد يتعرض له شعب او أمة لأن كل ما سبق يمكن تداركه إلا استهداف العقل و تغييبه و ضرب القيم و استئصال جذوتها فذلك هو التدمير بعينه ، فقد تجد شباب في مقتبل العمر و يستأجرون منزل لوحدهم كي يأخذون حريتهم (؟ ) ذلك المفهوم المدمر للحرية ، هذه الآفة ابانت عن قدرة عجيبة للفتك بالقيم الأخلاقية ، فمن كان يتصور أن الصحراويين تظهر لديهم هذه الظواهر المشينة و هم المجتمع المحافظ المعروف بالحياء الأخلاق.

 

كيف تساهم العائلة الصحراوية في ترميم ما دمرته هذه المنظومة التي تروم تخدير الوعي بالقيم ، و الانتماء الوطني و الثقافي ؟

الى حد ما لا يمكن الخوف على الصحراويين من حيث تمسكهم بالهوية الصحراوية  و شعورهم الوطني إنما يخشى على الصحراويين من استهداف أجيالهم القادمة بالمخدرات فهناك حرب طاحنة تدار في الخفاء ضد أطفالنا تروم ضياعهم  و انفصامهم عن الجيل الذي تمنع ضد كل محاولات العدو .

و مكمن خطورتها في أنك لا يمكن أن تتنبأ بحدوثها و قد تتفطن لابنك و لكن في الوقت الذي لا ينفع فيه شي سوى مكوثه في مصح عقلي أو مؤسسة لإعادة التأهيل  و هذه المؤسسات لم نعرفها إلا مع مجيء الغزو و مجيء الآفات معه فلم نعرفهم قبله كما لم نعرف السجون التي يتواجد أكبرها في اصغر مدننا ،  ففي مدينة السمارة تم بناء سجن ضخم لا يدخله إلا المدمرون أخلاقيا من ذوي السوابق التي يندى لها الجبين ، و يؤتى بهم  في أواخر فترة سجنهم  و يتم إعادة برمجتهم فيه،  ليصحبوا أشكالا ضخمة لا روح فيها  ولا أخلاق ولا إنسانية و يقضون فيه فترة قصيرة و تجدهم في الشوارع لخدمة أغراض الاحتلال في نشر الرذيلة و الرعب و قانون الغاب.

أما عدا ذلك فكل شي يمكن تداركه ، فعلى سبيل المثال لدي حفيدي عمره خمس سنوات من ابني المتوفى  و أدخلته لمدرسة لتحفيظ القرآن الكريم و أقامت المدرسة مسابقة و  أثناء تكريم المتفوقين وزعوا عليهم الأعلام المغربية و طلبوا منهم أن يرفعوها أثناء تلاوة النشيد و وضعوه في الصفوف الأمامية إلا أنه رفض التلويح بالعلم و تراجع أثناء تلاوة النشيد إلى أن خرج عن التكريم و أخبروني أنه في التحضير رفض حمل العلم و قال لهم أنه ليس علمه و بعد انتهاء المراسيم وجدته يبكي و سألته عن الأمر اخبرني أنهم أرغموه على حمل علم ليس علمه و البسوه القندورة المغربية التي يكرهها فحاولت التخفيف عليه و أخبرته أننا سنقيم حفلا في البيت و سيحضره أبناء الحي و سيرتدي فيه الدراعة و يحمل العلم الوطني هذا مثال بسيط على أن أي شاب نشأ وسط عائلة صحراوية  أرضعته قيم مجتمعه لن يؤثر عليه أي محاولة لتدجينه و انما الخشية كل الخشية على ما تفعله المخدرات من تدمير و من قساوة القلب ، و من هذا المنبر ادعوا الجميع لليقظة و الحذر و مراقبة أبنائهم حتى داخل المدارس و بعدها و أن تتكاثف جهود الجميع لمحاربتها و أن يكون الجار مرآة جاره لوقاية أبنائنا من الانزلاق في هذا العالم الأسود الذي يتطاير منه الشرر.

 

حدثينا عن كيفية تنظيم العمل النضالي السري  بين المناضلين في بداياته ؟

كنا فرع كبير ينشط في التنظيم السياسي يناهز 90 مناضل و تم اعتقال اغلب مناضليه و لم يسلم من الاعتقال سوى 22 فرد .

أثناء الاعتقال كانوا يسألوننا عن بقية المجموعة و التي التحقت بنا فيما بعد و البعض منهم ماتوا تحت التعذيب .

كانت منظومة الخلايا تطبعها سرية تامة حيث أن الخلية الواحدة لا تعرف الخلايا الأخرى و ليس لها من تعامل إلا مع  رئيسها – عريف – و بعد تمكن أعضاء الخلية الواحدة تنبثق عن كل فرد منها خلية أخرى يقوم بتأطيرها من قواعده الخاصة ،  فقبل الاعتقال مثلا لا اعرف إلا مؤطرتي – رئيسة خليتي – و لا أعرف من هو رئيس العريفة التي ترأسني  و لم اسأل عنه ولا يحق لي ذلك .

بعد خروجنا من الاعتقال و رجوعنا للعمل النضالي،  هناك من المناضلين من واصل عمله السري و البعض الآخر بدأ يناضل بعلانية و عن نفسي بدأت النضال بعلانية من خلال التظاهر العلني و الاعتصام و الوقفات و لازلت اعمل بعلانية فالشك بعد اليقين جريمة،  فبعد السجن لمدة 12 سنة و ما رافقه من تعذيب و مأساة من أجل هذه القضية  لم يعد بالإمكان  عدم المجاهرة بنضالنا في إطار الجبهة الشعبية .

 

كيف كان يتم التواصل بين المناضلين في ذلك الوقت خاصة أن وسائل التواصل منعدمة ؟

كنا نتواصل من خلال الرسائل التقليدية التي نكتبها ببعض الرموز الاصطلاحية بيننا و كنا في كل مرة نجد طريقة لإيصالها فمثلا كنا نكتب الرسائل و نقوم بطيها على شكل قلم و نقوم بحفر قوالب السكر ونضعها فيه ثم نسد القالب و رغم أن معظم المناضلين ليس لهم علم بالتشفير إلا أنهم كانوا يلتقطون تلك الإشارات و يفهمونها .

 

في ظل عسكره المنطقة و حصارها أمنيا و إعلاميا ، ما هي قنوات الاتصال مع قيادة الجبهة و بأي وسيلة كنتم تتلقون الأوامر و التعليمات ؟

بالفعل كانت تأتينا مقررات المؤتمرات مكتوبة و كذا تعليمات عن البرامج و لكن أصدقك القول أني اجهل الطريقة التي تدخل بها،  فأنا مجرد مناضلة بسيطة و فوقي في السلم العديد من المناضلين و كان يتم تعميمها إلى غاية  وصولها لكافة الامتدادات ،  كما كانت تأتينا تعليمات بأشرطة صوتية .

و لا يفوتني هنا أن احيي معدي برنامج ” الصحراء ما تنباع ” في الإذاعة الوطنية ،  هذا البرنامج الممتاز الذي احسب له ألف حساب اذ كان غنيا بالتعليمات و التوجيهات و رافق المناضلين بالمناطق المحتلة و مدهم  بالمعطيات و كذلك برنامج ” وقفات و أمجاد ” من خلال تطرقه للانتصارات العسكرية لجيش التحرير الشعبي و التي كانت تبث فينا شحنات معنوية هائلة و تحلق بأرواحنا لملامسة الانتصار ، ناهيك عن البلاغات العسكرية و الأخبار التي كانت نافذتها علينا هي الاذاعة الوطنية.

هذه البرامج و من خلال تركيزنا عليها كنا نلتقط منها الاشارات المتضمنة فيها كتعليمات و أوامر موجهة الينا كمناضلين و جماهير بالمناطق المحتلة و كانت تلك البرامج تساهم في تأطير المناضلين و تنظيمهم و تأجيج حماسهم .

 

كيف ساهمت تجربتك الأولى في الاعتقال للتخفيف من التجربة الثانية و شد أزر الأطفال الذين اعتقلوا معك و الذي كان ابنك من بينهم ؟

لولا توفيق الله ثم تجربتي لخرجت من تلك التجربة فاقدة للعقل ، كانت تجربة قاسية مع اطفال بعمر أبنائي كنت اتألم الم نفسي شديد لسماع انين الاطفال المعرضون للتعذيب أكثر من الألم الذي اتعرض له .

كانت تراودني هواجس أن هؤلاء الأطفال سيفارقون الحياة تحت التعذيب ،  فعلى مر الأيام و الليالي اسمع عذاباتهم و سياط الجلادين تلتهم اجسادهم و تناوب الفرق عليهم .

تم نقل طفلين من المجموعة من السجن في حالة يرثى لها لما لاقوه من التعذيب الذي لا يطيقه الرجال الأشداء فما بالك بأطفال ،  و كانت الطريقة التي أخرجوهم  بها اشبه بإخراج جيف من الحيوانات حيث كانوا يجرونهم و هم في حالة اغماء تام ، و منذ خروجهم لم يعرف مصيرهم لحد الساعة.

حدث هذا أثناء دخول المنتظم الدولي للوساطة بين الجبهة و دولة الاحتلال و أثناء انبعاث الأمل في كون الأمم المتحدة ستتحمل كامل مسؤولياتها في تنظيم الاستفتاء التي أخذت الولاية على الملف من اجله ، كل هذا جعل من الصعب أن تعيد الثقة في الأمم المتحدة  او  على الأقل بالنسبة لي شخصيا لم أعد اثق فيها بل اشك في أنها و بدل من أن تحل المشكل عقدته أكثر .

انا مؤمنة أن الحل سيأخذه الصحراويين بأيديهم اذا عزموا على الأمر فلا الأمم المتحدة ولا الجمعيات قادرة على ارجاع حقنا ، و هذا ليس تحريضا مني على التنصل من التزاماتنا و العودة لحمل السلاح بل أعتقد أن كل شخص يناضل من مركزه فليس للجميع نفس الخصائص ، الامكانيات و الظروف  ، و على سبيل المثال بإمكان جالياتنا في اوروبا أن تحشد طاقاتها للتظاهر امام سفارات العالم أجمع و اظهار فظاعات الاحتلال من رفع لصور المعتقلين ،  جرحى الانتفاضة ،  المفقودين ،  مجهولي  المصير و المختفين قصرا و امام سفارات دولة الاحتلال و قنصلياتها كل هذا سيوفر الضغط اللازم ليذعن الاحتلال و سيساهم في فك رابط الحماية التي توفرها له بعض الدول الكبرى ، حين تتجلى للعالم الصورة البشعة للاحتلال و تنافي تلك الصورة مع دساتير و قوانين تلك الدول و المؤسسة على احترام حقوق الانسان و الدفاع عنها .

 

الى ماذا توعزين تحرر الجماهير في المناطق المحتلة ، خاصة حين نرى مشاهد رفع الاعلام و الشعارات المنادية بالاستقلال من قلب عاصمة المحتل ؟

لم يحدث أي تغيير في المغرب و انما حدث تغيير في نفسية الجماهير التي فرضت هذا الواقع اذ لم تعد عقدة الخوف من البطش تثني أحدا ،و يرجع هذا لكون كل اساليب البطش خبرها الصحراويين و أصبحوا من كثرة تراكمها لديهم مناعة ضدها .

أذكر أنه في بداية الثمانينات كان من يريد ألاستماع للإذاعة الوطنية بالمناطق المحتلة يسترق السمع واضعا المذياع قرب أذنه و يلف اقمشة على رأسه لمنع صدى الصوت من الانبعاث و يتوجس من أي أحد ، و يحضرني موقف لستة مناضلين في منزل أحدهم ، كانوا يستمعون لشريط به بعض أشعار عن الوطن و الثورة – النضال – و عندما شعر صاحب المنزل بزوجته تدخل استل الشريط و استبدله و دسه في جيبه و تظاهر بالنوم و استطاعت زوجته أن تتحصل عليه و بفعل ذلك الشريط بمحتواه البسيط أن يدخل اولئك الرجال الستة الى السجن لمدة عشر سنوات .

الآن لم تعد تلك الأساليب من : قتل ، تعذيب ، اختطاف ، سجن …  ترعب أحدا ، بل أكثر ما يرعب المناضلين و الجماهير بالمناطق المحتلة هو بقاء هذا المحتل جاثما على رقابهم ، فقد توصلت الجماهير الى قناعة أن حياة الذل و المهانة و القهر هي مكن الرعب و الخوف و أن مكمن الحياة هو في رفض هذا الواقع حتى و لو قضيت و أنت تحاول .

أذكر في البدايات أنه فرض حصار على المدن و تم عسكره المدن بشكل رهيب حيث أن جنود الاحتلال  أكثر من المواطنين و للتنقل من حي الى آخر يتم تفتيشك و تفحص هويتك و تمر بسلسلة من الاجراءات .

 

ما هي الشخصية التي تعتبرينها قدوة لكي ؟

اقتدي بالرعيل الأول من المناضلين الذين قادوا المعركة في مرحلتها الصعبة ، و التي لم يكن فيها لوجودنا وجودا و الذين ضحوا بكل شيء ليوجدوا لنا هذا الوجود الراسخ .

و من هذا المنبر ، ارحم على سقطوا في ميادين الشرف شهداء من أجل ترسيخ ثوابت الشعب الصحراوي و الجبهة الشعبية و الدولة الصحراوية و أحيي رفاق دربهم ممن لا زالوا  يقتفون اثرهم من المناضلين.

و اتوجه للشباب أن ينهل من الرعيل الأول فكرا ، طرحا و تضحيات  ، سواء من استشهدوا او على قيد الحياة .

من اسسوا للمشروع الوطني كانوا من الدهاء أن تصوروا معركة التحرير طويلة الأمد و اخاطوا مبادئها لتشمل كل المتغيرات فلحد الساعة هذه المبادئ لازالت براقة .

هذه الكوكبة من جهابذة المناضلين هي التي نقتدي بها و يشرفنا أن نقتفي أثرها و نهجها و أدعوا الشباب أن ينهل منهم فهو الذي سيقود المرحلة القادمة و عليه أن يوصل السفينة لبر الأمان من خلال النبش في تاريخها النضالي و تضحياتها و عطاءاتها سواء من هم على قيد الحياة أو الشهداء  لا أن ينعي على حطامها .

 

كلمة أخيرة تتقدمين بها الى الشباب و جماهير الأرض المحتلة ؟

ما اتوجه به إلى الشعب الصحراوي هو أن يصوب أنظاره إلى الهدف الأسمى و يحشد طاقاته و إمكانياته لذلك الهدف كل من موقعه .

لا يمكن للجيش أن يحقق الاستقلال بدون الجماهير و بدون الدبلوماسية ، كما لا يمكن لجماهير الأرض المحتلة و جنوب المغرب و المواقع الجامعية أن يحققوا الاستقلال بدون بقية الجسم من مخيمات اللاجئين و الجاليات و القيادة السياسية اذ لا يمكن لجزء من الأجزاء منفردا أن ينتزع الاستقلال بل على الأجزاء كلها أن تصنع مجتمعة معركة النصر و الاستقلال.

و هذا النضال من اجل استرجاع الأرض و دفع الظلم المسلط علينا فرض عين و فرض العين لا يمكن لأحد أن ينوب فيه عن آخر او أن يوكل فيه شخص آخرا ، و كل صحراوي مطلوب منه أن يترك بصمته في مسيرة تحرر الشعب الصحراوي و أن يريح ضميره من الألم النابع من الشعور بالتقصير في الواجب الوطني في الوقت الذي دفع فيه البعض ارواحهم فداء للوطن .

لا اخشى على الشعب الصحراوي من شيء سوى من الانحراف ، و اتوجه من هذا المنبر الى شبابنا بالمناطق المحتلة و بقية تواجداتهم  بالدعوة للحفاظ على الموروث الاخلاقي و القيمي للشعب الصحراوي و الابتعاد عن أي مسبب لانهيار هذا الموروث الذي يعد من ركائز قوتنا ، فمن دون الأخلاق و الدين لن يستقيم لنا شيء لأن الله تعالى يقول في محكم تنزيله : ” ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ”

 

 

 

 

 

السابق
صور لجانب من تخليد جاليات الشمال للذكرى ال 45 لتأسيس الجبهة الشعبية
التالي
إضراب “الامعاء الفارغة” وسيلة للتضامن و جسر للتأزر